عبد الكريم الخطيب

934

التفسير القرآنى للقرآن

جميعا ، لم يستبدّ به الجزع ، ولم تستول عليه الحيرة ، ولم تحرقه أنفاس الضيق والألم . . بل ظلّ مجتمع النفس ، ساكن الفؤاد ، رطب اللسان بذكر اللّه . . فلما اشتد به الكرب ، ورهقه البلاء ، وأراد أن يذكر نفسه ، ويشكو لربّه ما يجد ، لم يزد على أن يقول بلسان رطب بالصبر ، وبأنفاس نديّة بالإيمان : « أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » وكان أن سمع اللّه دعاءه ، واستجاب له . . « فَاسْتَجَبْنا لَهُ . . فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ . . رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ » . وهكذا يجزى اللّه المحسنين الصابرين . . كما يقول سبحانه : « إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » . . لقد كشف اللّه عن أيوب الضر الذي أصابه في جسده ، ورزقه من البنين والأموال ضعف الذي ذهب منه . . وقوله تعالى : « رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا » أي أن ذلك العطاء كان رحمة منّا ، أصبنا بها عبدا من عبادنا المخلصين . وقوله تعالى : « وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ » معطوف على « رحمة » أي وكان ذلك الذي فعلناه بعبدنا « أَيُّوبَ » تذكرة وموعظة « لِلْعابِدِينَ » أي الذين يعبدون اللّه ، ويحسنون عبادته ، ويصطبرون عليها . . فالعابدون بما لهم من صلة باللّه ، ربّما يقع في نفوسهم أنهم بمنجاة من الابتلاء بالشر ، إذ لا يكاد يقع في تصوّر الناس أن من وثّق طلته باللّه ، وتقرب بالعبادات والطاعات إليه ، هو في مأمن مما يقع للناس من ضرّ وأذى ، في نفسه أو ولده أو ماله . . وإلّا فما ثمرة هذه الصلة ، وما فضل الطائعين على العاصين ، والأولياء على الأعداء ؟